العيني
162
عمدة القاري
ذو عهد في عهده بسبب قتل كافر . ومن المعلوم أن ذا العهد كافر ، فدل هذا أن الكافر الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الذي لا عهد له ، وهذا لا خلاف فيه لأحد : أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي ، ولا الكافر الذي له عهد يقتل به أيضا ، فحاصل معنى حديث أبي جحيفة : لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر . فإن قالوا : كل واحد من الحديثين كلام مستقل مفيد فيعمل به ، فما الحاجة إلى جعلهما واحدا حتى يحتاج إلى هذا التأويل ؟ قلنا : قد ذكر أن أصل الحديث واحد فتقطيعه لا يزيل المعنى الأصلي ، ولئن سلمنا أن أصله ليس بواحد ، وأن كل واحد حديث برأسه ولكن الواجب حملهما على أنهما وردا معا ، وذلك لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في وقتين ، مرة من غير ذكر ذي العهد ، ومرة مع ذكر ذي العهد ، وأيضا إن أصل هذا كان في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلاً من هذيل في الجاهلية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين ، لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ) يعني ، والله أعلم : الكافر الذي قتله في الجاهلية . وكان ذلك تفسير لقوله : ( كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي ) . لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث واحد ، وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة ، وأنه إنما كان قبل ، بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، عهود إلى مدد لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه ، وكان قوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ( لا يقتل مؤمن بكافر ) منصرفا إلى الكفار المعاهدين ، إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه ، ويدل عليه قوله : ( ولا ذو عهد في عهده ) ، وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مدد ، ولذلك قال : ( ولا ذو عهد في عهده ) ، كما قال تعالى : * ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) * ( التوبة : 4 ) وقال : * ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) * ( التوبة : 2 ) وكان المشركون حينئذ على ضربين . أحدهما : أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم . والآخر : أهل المدة . ولم يكن هناك أهل ذمة ، فانصرف الكلام إلى الضربين من المشركين ، ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين الوصفين ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام . وقال بعض الحنفية : وقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي ، فكذا يقتل إذا قتله ، وإن قوله : ( ولا ذو عهد في عهده ) من باب عطف الخاص على العام ، وأنه يقتضي تخصيص العام لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي ، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلاَّ الحربي ، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي ، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه . واعترضوا بوجوه . الأول : أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف ، وما بعد ذلك جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار فإنه خلاف الأصل ، فلا يقدر فيه : بكافر . الثاني : سلمنا أنه من باب عطف المفرد ، والتقدير : بكافر ، لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه ، كما إذا قال القائل : مررت بزيد منطلقا وعمرو . قال الشهاب القرافي : المنقول عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقا ، بل الاشتراك في مطلق المرور . الثالث : أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي ، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد ، لأن الذمة تنعقد له ولأولاده وهلم جرا ، وأما الجواب عن القياس المذكور : فإنه قياس في مقابلة النص ، وهو قوله : ( ولا يقتل مسلم بكافر ) فلا أثر له . وأجيب عن الأول : بأن الأصل في الواو العطف ، ودعوى الاستئناف يحتاج إلى بيان . وعن الثاني : بأن ما ذكرتم في عطف المفرد ، وهذا عطف الجملة على الجملة ، وكذلك المعطوف في المثال الذي ذكره القرافي مفرد . وعن الثالث : بأنه إنما يصح إذا كانت الواو للاستئناف ، وقد قلنا : إنه يحتاج إلى البيان ، وأيضا فمعلوم أن ذا العهد يحظر قتله ما دام في عهده ، فلو حملنا قوله : ( ولا ذو عهد في عهده ) ، على أن لا يقتل ذو عهد في عهده لأخلينا اللفظ عن الفائدة ، وحكم كلام النبي ، عليه الصلاة والسلام ، حمله على مقتضاه في الفائدة ، ولا يجوز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه ، والقياس إنما يكون في مقابلة النص إذا كان المعنى على ما ذكرتم ، وهو غير صحيح ، وعلى ما ذكرنا يكون القياس في موافقة النص فافهم . وأما قول البيضاوي : إنه منقطع ، فإنه لا يضر عندنا ، لأن المرسل حجة عندنا . وجزمه بأنه خطأ غير صحيح لأن القاتل يحتمل أن يكون اثنين قتل أحدهما وعاش الآخر بعد النبي ، عليه الصلاة والسلام . وقوله : إنه منسوخ وقد كان قبل الفتح ، غير صحيح ، لما ذكرنا أن أصل الحديث كان في خطبته ، عليه الصلاة والسلام ، من فتح مكة . فافهم .